فصل: من فوائد الخطيب الشربيني في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال: قد أنصف قومك، فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم».
قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشرًا أمثالها فما هي؟ قال: قولوا: لا إله إلاّ اللّه، فأبوا واشمأزّوا.
وقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فإن قومك قد فزعوا منها. فقال: «يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها».
فقالوا: لتكفّنّ عن شتمك آلهتنا أو لنشتمن من يأمرك. فأنزل اللّه تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله} من الأوثان {فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا}.
وقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة ويعقوب: عدوًا بضم العين والدال وتشديد الواو أي أعداء الله.
{بِغَيْرِ عِلْمٍ} فلما نزلت هذه الآية، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لا تسبوا ربهم». فأمسك المسلمون عن سبّ آلهتهم.
{كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} يعني كما زيّنا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة الشيطان، الحرمان والخذلان كذلك زيّنا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية {ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ} يخبرهم ويجازيهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}.
قال محمد بن كعب القرضي والكلبي: قالت قريش: يا محمد تخبرنا بأن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عينًا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا من الآيات حتى نصدقك. قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «أي شيء تحبون أن آتيكم به؟».
قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبًا وابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل، وأرنا الملائكة يشهدون لك أو ائتنا باللّه والملائكة قبيلًا. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «لئن فعلت بعض ما تقولون تصدقوني» قالوا: نعم واللّه لئن فعلت نتبعك أجمعين.
وسأل المسلمون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يدعو اللّه أن يجعل الصفا ذهبًا، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال له: إن شئت أصبح ذهبًا ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم فإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «بل يتوب تائبهم» فأنزل اللّه تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} يعني أوكد ما قدروا عليه من الايمان وحدها.
قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل باللّه سبحانه فهو جهد بيمينه. {لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ} كما جاء من قبلهم من أمم {لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ} يا محمد {إِنَّمَا الآيات عِندَ الله} وهو القادر على إتيانها دوني ودون كل من خلقه. ثم قال: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} وما يدريكم فحذف المفعول وما أدريكم، واختلفوا في المخاطبين، بقوله: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} حسب اختلافهم في قراءة قوله: {أَنَّهَا}. فقال بعضهم: إن الخطاب للمشركين الذين أقسموا وتمّ الكلام عند قوله وما يشعركم، ثم إستأنف، فقال: إنها يعني الآيات {إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون.
وقرؤا: {أَنَّهَا} بالكسر على الإبتداء، وهو في قراءة مجاهد وقتادة وابن محيصن وابن كثير وشبل وأبي عمر والجحدري.
وقال آخرون: الخطاب لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقرأوا: أنها بالفتح وجعلوا لا صلة يعني وما يدريكم يا معشر المؤمنين أنها إذا جاءت المشركين لا يؤمنون كقوله: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] يعني: أن تسجد، وقوله: {وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] يعني إنهم يرجعون. وقيل: معنى إنها: لعلها وكذلك هي قراءة أُبيّ، تقول العرب: إذهب إلى السوق إنك تشتري شيئًا بمعنى لعلك تمر.
وقال عدي بن زيد:
أعاذل ما يدريك أن منيتي ** إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد

يعنى: لعلّ منيّتي.
وقال دريد بن الصمة:
ذرينى أطوف في البلاد لأنّني ** أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا

يعني: لعلّني.
وقال أبو النجم:
قلت لسينان أدن من لقائه ** إنا نغدي القوم من سرائه

أي ثعلبًا تغدي.
وقرأ ابن عامر والسدي وحمزة: {لاَ يُؤْمِنُونَ} بالتاء على حساب الكفار وما يشعركم، واعتبر بقراءة أُبيّ: لعلكم إذا جاءكم لا يؤمنون.
وقرأ الباقون: بالياء على الخبر وتصديقها قراءة الأعمش إنّها إذا جاءتهم لا يؤمنون {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.
قال ابن عباس وابن زيد: يعني نحول بينه وبين الإيمان. ولو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا بالتي قبلها مثل انشقاق القمر وغيره عقوبة لهم على ذلك.
وقيل: كما لم يؤمنوا به في الدنيا قبل مماتهم. نظيره قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأنعام: 28] {وَنَذَرُهُمْ} قرأ أبو رجاء: ويذرهم بالياء. وقرأ النخعي: ويقلب ويذرهم كلاهما بالياء {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. اهـ.

.من فوائد ابن جزي في الآيات:

قال رحمه الله:
{قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ} جمع بصيرة، وهو نور القلب، والبصر نور العين، وهذا الكلام على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وما أنا عليك بحفيظ {وَلِيَقُولُواْ} متعلق بمحذوف تقديره: ليقولوا صرفنا الآيات {دَرَسْتَ} بإسكان السين وفتح التاء درست العلم وقرأته، ودارَسْتَ بالألف أي دارست العلم وتعلمت منه، ودرست بفتح السين وإسكان التاء بمعنى قدمت هذه الآيات ودبرت {وَلِنُبَيِّنَهُ} الضمير للآيات وجاء مذكرًا لأن المراد بها القرآن {وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين} إن كان معناه: أعرض عما يدعونك إليه؛ أو عن مجادتهم فهو محكم، وإن كان عن قتالهم وعقابهم فهو منسوخ. وكذلك ما أنا عليكم بحفيظ وبوكيل.
{وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله} أي لا تسبوا آلهتمهم فيكون ذلك سببًا لأن يسبوا الله، واستدل المالكية بهذا على سدّ الذرائع {قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله} أي هي بيد الله لا بيدي {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} أي ما يدريكم، وهو من الشعور بالشيء، وما نافية أو استفهامية {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} من قرأ بفتح أنها فهو معمول يشعركم: أي ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا يؤمنون بها، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه وقيل: لا زائدة، والمعنى ما يشعركم أنهم يؤمنون، وقيل: أن هنا بمعنى لعل فمن قرأ بالكسر فهي استئناف إخبار وتم الكلام في قوله: وما يشعركم أي ما يشعركم ما يكون منهم فعلى القراءة بالكسر يوقف على ما يشعركم. وأما على القراءة بالفتح فإن كانت مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها، وإن كانت بمعنى لعل فأجاز بعض الناس الوقف. ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى فأجاز بعض الناس الوقف. ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى التعليل {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم} أي نطبع عليها ونصدها عن الفهم فلا يفهمون {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ} الكاف للتعليل أي: نطبع على أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على أنهم لا يؤمنون به أول مرة، ويحتمل أن تكون للتشبيه، أن تطبع عليها إذا رأوا الآيات مثل طبعنا عليها أول مرة. اهـ.

.من فوائد الخطيب الشربيني في الآية:

قال رحمه الله:
{وجعلوا شركاء الجنّ} أي: الشياطين لأنهم أطاعوهم في عبادة الأوثان فجعلوها شركاء الله.
فإن قيل: لله مفعول ثان لجعلوا وشركاء مفعول أوّل ويبدل منه الجنّ فما فائدة التقديم؟
أجيب: بأنّ فائدته استعظام أن يتخذ لله شريك من جنّ أو إنس أو ملك فلذلك قدم اسم الله تعالى على الشركاء، وقيل: المراد بالجنّ الملائكة بأن عبدوهم وقالوا: الملائكة بنات الله وسماهم جنًا لاجتنانهم تحقيرًا لشأنهم، وقال الكلبيّ: نزلت في الزنادقة أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق فقالوا: الله خالق النور والناس والدواب والأنعام وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب فيقولون: هو شريك الله في تدبير هذا العالم فما كان من خير فمن الله وما كان من شر فمن إبليس تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا وقوله تعالى: {وخلقهم} حال بتقدير قد والضمير إمّا أن يعود إلى الجنّ فيكون المعنى والله خلق الجنّ فكيف يكون شريك الله عز وجلّ محدثًا مخلوقًا وإمّا أن يعود إلى الجاعلين لله شركاء فيكون المعنى وجعلوا لله الذي خلقهم شركاء لا يخلقون شيئًا وهذا كالدليل القاطع بأنّ المخلوق لا يكون شريكًا لله وكل ما في الكون محدث مخلوق والله تعالى خالق لجميع ما في الكون فامتنع أن يكون لله شريك في ملكه {وخرقوا} قرأه نافع بتشديد الراء، والباقون بالتخفيف، أي: اختلقوا {له بنين وبنات بغير علم} وهو قول أهل الكتابين في المسيح وعزير وقول قريش في الملائكة يقال: خلق الإفك وخرقه واختلقه واخترقه بمعنى وسئل الحسن عنه فقال: كلمة غريبة كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله: {سبحانه} تنزيهًا له {وتعالى عما يصفون} بأن له شريكًا أو ولدًا {بديع السموات والأرض} أي: مبتدعهما من غير سبق مثال ورفع بديع على الخبر والمبتدأ محذوف أي: هو بديع أو على الابتداء والخبر {أنى يكون له ولد} أي: من أين يكون له ولد {ولم تكن له صاحبة} يكون منها الولد لأنّ الولد لا يكون إلا من صاحبة أنثى {وخلق كل شيء} أي: من شأنه أن يخلق {وهو بكل شيء عليم} لا تخفى عليه خافية، وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه: الأوّل: إنه مبدع السموات والأرض وهي أجسام عظيمة من جنس ما يوصف بالولادة لكونها مخلوقة لا يستقيم أن توصف بالولادة لاستمرارها وطول مدّتها ومخترع الأجسام لا يكون جسمًا حتى يكون والدا، الثاني: أن الولادة لا تكون إلا من ذكر وأنثى مجانسين وهو متعال عن مجانس فلم يصح أن تكون له صاحبة فلم تصح الولادة، والثالث: أنه ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم به ومن كان بهذه الصفة كان غنيًا عن كل شيء والولد إنما يطلبه المحتاج، وقوله تعالى: {ذلكم} إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصفات وهو مبتدأ وقوله تعالى: {الله ربكم لا إله إلا هو خالق كلّ شيء} أخبار مترادفة ويجوز أن يكون البعض في غير الله تعالى بدلًا أو صفة لأنّ الله تعالى أوّل وليس بصفة والبعض خبرًا وقوله تعالى: {فاعبدوه} مسبب عن مضمون ذلك فإنّ من استجمع هذه الصفات استحق العبادة {وهو على كل شيء وكيل} أي: وهو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال فيجازي عليها {لا تدركه الأبصار} جمع بصر وهي حاسة النظر وقد يقال للعين من حيث إنها محلها والإدراك إحاطة بكنه الشيء وحقيقته وتمسك بظاهر هذه الآية قوم من أهل البدع وهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وقالوا: إنّ الله تبارك وتعالى لا يراه أحد من خلقه وإن رؤيته مستحيلة عقلًا لأنّ الله تعالى أخبر أنّ الأبصار لا تدركه وإدراك البصر عبارة عن الرؤية إذ لا فرق بين قولك أدركته ببصري ورأيته ببصري فثبت بذلك أنّ لا تدركه الأبصار بمعنى لا تراه الأبصار وهذا يفيد العموم ومذهب أهل السنة إن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة واستدلوا لمذهبهم بأشياء من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من السلف فمن الكتاب قوله تعالى: {وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة].
ففي هذه الآية دليل على أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وقال تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون} [المطففين].
قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: حجب قومًا بالمعصية وهي الكفر فثبت أنّ قومًا يرونه بالطاعة وهي الإيمان، وقال مالك رضي الله تعالى عنه: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله تعالى الكفار بالحجاب وقال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس] وهذه الزيادة مفسرة بالنظر إلى الله تعالى يوم القيامة ومن السنة ما روي عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} [طه].
ومنها أنّ ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تضامون في القمر ليلة البدر- أي: هل تشكّون؟» قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنكم ترونه كذلك» وعن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه مخليًا به يوم القيامة؟ قال: «نعم» قلت: وما آية ذلك من خلقه؟ قال: «يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليًا به؟» قلت: بلى، قال: «فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله- أي: القمر- فالله أعظم وأجل» واحتج أهل السنة أيضًا على جواز رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة بقول كليم الله موسى عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك} [الأعراف].
إذ لا يسأل نبيّ ما لا يجوز أو يمتنع وقد علق الله تعالى الرؤية على استقرار الجبل بقوله تعالى: {فإن استقرّ مكانه فسوف تراني} [الأعراف].
واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز وأمّا قول المتمسكين بظاهر الآية وإنّ الإدراك بمعنى الرؤية فممنوع لأنّ الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به والرؤية المعاينة وقد تكون المعاينة بلا إدراك قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: {قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا} [الشعراء] وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم فنفى موسى عليه السلام الإدراك مع ثبوت الرؤية فالله تعالى يصح أن يرى من غير إدراك ولا إحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به قال تعالى: {ولا يحيطون به علمًا} فنفي الإحاطة مع ثبوت العلم، قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار وقال عطاء: كلت أبصار، المخلوقين عن الإحاطة به، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومقاتل: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة، وظاهر هذا التسوية بين الإدراك والرؤية ويدل على هذا التخصيص قوله تعالى: {وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة].